فخر الدين الرازي
270
تفسير الرازي
قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْديُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ " 49 " كما يريد من غير اختصاص محل الفعل بشيء لا يوجد في غيره لا يكون عالماً وإنما فعل ذلك اتفاقاً ، كما إذا أصاب السهم موضعاً دون غيره مع تسوية المواضع في المحاذاة فقال : * ( يقذف بالحق ) * كيف يشاء وهو عالم بما يفعله وعالم بعواقب ما يفعله فهو يفعل ما يريد لا كما يفعله الهاجم الغافل عن العواقب إذ هو علام الغيوب ( الوجه الثاني ) أن المراد منه هو أنه يقذف بالحق على الباطل كما قال في سورة الأنبياء : * ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه ) * وعلى هذا تعلق الآية بما قبلها أيضاً ظاهر وذلك من حيث إن براهين التوحيد لما ظهرت ودحضت شبههم قال : * ( قل إن ربي يقذف بالحق ) * أي على باطلكم ، وقوله : * ( علام الغيوب ) * على هذا الوجه له معنى لطيف وهو أن البرهان الباهر المعقول الظاهر لم يقم إلا على التوحيد والرسالة ، وأما الحشر فعلى وقوعه لا برهان غير إخبار الله تعالى عنه ، وعن أحواله وأهواله ، ولولا بيان الله بالقول لما بان لأحد بخلاف التوحيد والرسالة ، فلما قال : * ( يقذف بالحق ) * أي على الباطل ، إشارة إلى ظهور البراهين على التوحيد والنبوة قال : * ( علام الغيوب ) * أي ما يخبره عن الغيب وهو قيام الساعة وأحوالها فهو لا خلف فيه فإن الله علام الغيوب ، والآية تحتمل تفسيراً آخر وهو أن يقال : * ( ربي يقذف بالحق ) * أي ما يقذفه يقذفه بالحق لا بالباطل والباء على الوجهين الأولين متعلق بالمفعول به أي الحق مقذوف وعلى هذا الباء فيه كالباء في قوله : * ( وقضى بينهم بالحق ) * وفي قوله : * ( فاحكم بين الناس بالحق ) * والمعنى على هذا الوجه هو أن الله تعالى قذف ما قذف في قلب الرسل وهو علام الغيوب يعلم ما في قلوبهم وما في قلوبكم . ثم قال تعالى ( قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ) . لما ذكر الله أنه يقذف بالحق وكان ذلك بصيغة الاستقبال ، ذكر أن ذلك الحق قد جاء وفيه وجوه أحدها : أنه القرآن الثاني : أنه بيان التوحيد والحشر وكل ما ظهر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ( الثالث ) المعجزات الدالة على نبوة محمد عليه السلام ، ويحتمل أن يكون المراد من * ( جاء الحق ) * ظهر الحق لأن كل ما جاء فقد ظهر والباطل خلاف الحق ، وقد بينا أن الحق هو الموجود ، ولما كان ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لم يمكن انتفاؤه كالتوحيد والرسالة والحشر ، كان حقاً لا ينتفي ، ولما كان ما يأتون به من الإشراك والتكذيب لا يمكن وجوده كان باطلاً لا يثبت ، وهذا المعنى يفهم من قوله : * ( وما يبدئ الباطل ) * أي الباطل لا يفيد شيئاً في الأولى ولا في الآخرة فلا إمكان لوجوده أصلاً ، والحق المأتي به لا عدم له أصلاً ، وقيل المراد لا يبدئ الشيطان ولا يعيد ، وفيه معنى لطيف وهو أن قوله تعالى : * ( قل إن ربي يقذف بالحق ) * لما كان فيه معنى قوله تعالى : * ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه ) * كان يقع لمتوهم أن الباطل كان فورد عليه الحق